أحمد بن علي القلقشندي
461
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الدّيلم على الأمر ، وغلبوا على الخلفاء ، واستبدّوا عليهم احتجبت الخلفاء ولم يبق إليهم فيما يكتب عنهم غالبا سوى الولايات ، وفوّض الأمر في غالب المكاتبات إلى وزرائهم ، وصارت الحال إذا اقتضت ذكر الخليفة كني عنه ب « المواقف المقدّسة » و « المقامات الشريفة » و « السرّة النبويّة » و « الدار العزيزة » و « المحل الممجّد » يعنون « بالمواقف » الأماكن التي يقف فيها الخليفة ، وكذلك المقامات ، وبالسرة الأنماط التي يجلس عليها الخليفة ، و « بالدار » دار الخلافة ، و « بالمحل » محلّ الخليفة . قال في « ذخيرة الكتّاب » : وليت شعري أيّ شيء قصد من كنى عن أمير المؤمنين بهذه الكنايات ، وبدّل نعوته وصفاته المعظمة المكرّمة بهذه الألفاظ المحقّرات ؟ وإذا استجيز ذلك ورضي به وأغضي عنه كان لآخر أن يقول « المجالس الطاهرة » و « المقاعد المقدّسة » و « المراكب المعظَّمة » و « الأسرّة الممجّدة » وما يجري هذا المجرى مما ينبو عنه السمع وينكره لاستحداثه واستجداده . على أنه لو توالى على الأسماع كتوالي تلك الألفاظ لم تنكره بعد إذ لا فرق . قال : ولم يستسنّه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولا اختاره لنفسه ، ولا استحدثه الخلفاء من بعده . فما وجه العمل بموضعه والاقتفاء لأثره ؟ وكيف يجوز أن يكنى عن الجمادات ، بما يكنى به عن الإنسان الحيّ الناطق الكامل الصفات . ولما انتهى الحال بالخلفاء إلى التعظيم بهذه الألقاب والنعوت المستعارة ، تداعى الأمر إلى تعظيم الملوك والوزراء بالتلقيب ب « المجلس العالي » و « الحضرة السامية » وما أشبه ذلك . قال : وهذا مما لم يكن في زمان ، ولا جرى في وقت ، ولا كتب به النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ولا استعمله الخلفاء بعده . ثم تزايد الحال في ذلك إلى أن كنوا ب « المقام » و « المقرّ » و « الجناب » و « المجلس » ونحو ذلك على ما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى . وأما مجاوزتها الحدّ في الكثرة ، فقد تقدّم أن اللقب الواحد كان يلقّب به الشخص دون تعدّد ألقاب ، إلى أن وافت أيام القادر باللَّه ( 1 ) والتلقيب بالإضافة إلى
--> ( 1 ) هو : أحمد بن إسحاق بن المقتدر أبو العباس القادر باللَّه : الخليفة العباسي . توفي سنة 422 ه . أنظر النبراس لابن دحية ( ص 127 ) والأعلام ( ج 1 ، ص 96 )